-
لعلَّ المعلضلةَ الجوهريَّةَ التي تواجهُ العقلَ المسلمَ اليومَ لا تكمنُ في «غيابِ النَّصِّ»، بل تتجذَّرُ عميقاً في «أزمةِ التَّلقِّي». فالقرآنُ الكريمُ، بوصفِهِ المدوَّنةَ التَّأْسيسيَّةَ لهذهِ الأمَّةِ، حاضرٌ في الذَّاكرةِ والحناجرِ تلاوةً وحفظاً، لكنَّهُ كثيراً ما يُغيَّبُ منهجاً وتفعيلاً في معتركِ الحياةِ اليوميَّةِ. إنَّ هذا الانفصالَ بينَ قداسةِ النَّصِّ والواقعِ المعيشِ يفرضُ ضرورةً ملحَّةً للانتقالِ من «تلاوةِ التَّبرُّكِ» السُّكونيَّةِ إلى «قراءةِ التَّحرُّكِ» الفاعلةِ؛ وهذا لا يتأتَّى إلَّا بترقيةِ مفهومِ «التَّدبُّرِ» من مجرَّدِ تأثُّرٍ وجدانيٍّ عابرٍ، ليكونَ «هندسةً معرفيَّةً» شاملةً، تعيدُ ترميمَ بنيةِ العقلِ المسلمِ، وتصوغُ علاقتَهُ باللُّغةِ والوجودِ من جديدٍ. فإذا كانَ زمنُ التَّنزيلِ قد خُتِمَ بوفاةِ النَّبيِّ ﷺ، فإنَّ أفقَ التَّدبُّرِ صيرورةٌ معرفيَّةٌ لا تتوقَّفُ؛ تهدفُ لاستنباتِ إجاباتٍ حيَّةٍ لتحدِّياتِ العصرِ المتسارعةِ، وتحويلِ الانتماءِ للإسلامِ من «وراثةٍ» عمياءَ تقفُ عندَ حدودِ الهويَّةِ الجامدةِ، إلى «دراسةٍ» مُبصرةٍ تخلقُ شهوداً حضاريّاً فاعلاً.
من هذا المنطلقِ النَّسقيِّ، لا يستقيمُ المشروعُ التَّدبُّريُّ إلَّا عبرَ حركةِ وعيٍ مركَّبةٍ تتضافرُ فيها أربعةُ أبعادٍ متلازمةٍ؛ تبدأُ بالمدخلِ البيانيِّ الَّذي يجمعُ بينَ هندسةِ اللُّغةِ وجماليَّةِ التَّصويرِ؛ ليعبرَ العقلُ منهُ إلى الأفقِ الفلسفيِّ مستكشفاً الرُّؤيةَ الكُلِّيَّةَ للوجودِ وسننَ التَّاريخِ الحاكمةِ. ولا يقفُ الأمرُ عندَ التَّنظيرِ العقليِّ، بل يتنزَّلُ المعنى قيمةً أخلاقيَّةً تهذِّبُ الوجدانَ وتضبطُ البوصلةَ السُّلوكيَّةَ للفردِ؛ ليفيضَ هذا الامتلاءُ الدَّاخليُّ حراكاً اجتماعيّاً راشداً يؤسِّسُ للعمرانِ. هكذا فقط، يتحوَّلُ النَّصُّ من كلماتٍ مقروءةٍ إلى طاقةٍ تغييريَّةٍ، تبدأُ من فقهِ «الكلمةِ» لتثمرَ في «عمارةِ الأرضِ».
يستعرضُ هذا المقالُ الأبعادَ الأربعةَ بصفةٍ جمليَّةٍ على أن نعودَ إليها بالتَّدقيقِ والتَّحليلِ كلَّ واحدٍ على حدةٍ في المقالاتِ القادمةِ إن شاءَ اللهُ.
م.فيصل العش
-
يظهر الدور المريع للخوارزميات في الحروب بوصفه أحد أكثر التحوّلات غرابة وإثارة للذعر، إذ يفاقم قلقًا متناميًا مع كلّ خطوة جديدة في مسار تطوير أسلحة ذاتيّة التشغيل. تلوح في الأفق حروب، يقول عنها الخبراء إنّها تشهد تطوّرًا مثيرًا، إذ تستغني فيها ساحات القتال عن الإنسان كلّيًّا، فتُدار المعارك من دون حضور المقاتل البشريّ، ويغدو الجنديّ الغائب الأكبر عن الحرب التي كان يومًا مَنْ يخوضها ويصنع الانتصارات في ساحاتها أو ينهزم فيها.
أ.د.عبدالجبار الرفاعي
-
لكلّ عمل ثقافيّ خاصّيّات تميّزه عن غيره، ولا سيّما إذا كان عملا متكاملا مثل تفسير الطّبريّ. ولمّا كانت المناهج المساعدة على الدّراسة عديدة ومتنوّعة، فإنّ المنهج التّاريخيّ واحد من أهمّ هذه المناهج. ولعلّ أهمّ المزايا في هذا المنهج تكمن في تنزيل الموضوع المدروس ضمن إطاره المحدّد في فضاء المتغيّرات الاجتماعيّة والتّاريخيّة، والإبانة عن نواقصه المعرفيّة بغضّ النّظر عن الأسباب الدّاعية إلى ذلك. فسلطة المفسّر في القرون الإسلاميّة الأولى قد نبعت من سلطة النّصّ المقدّس، في عصر كانت السّلطة السّياسيّة شديدة الرّغبة في اكتساب الشّرعيّة من خلال توظيف القائمين على الشّأن الدّينيّ. فما هي آثار هذه الملابسات في تفسير الطّبريّ؟
قسّمنا هذه الدّراسة إلى أربع حلقات تنشر بحول اللّـه متتالية، تضمّنت الحلقة الأولى (الحلقة السابقة) تقديما عامّا للبحث، وبيان أهمّيّة الزّمن والتّاريخ في النّصّ القرآنيّ، وبدايات التّفسير، وصولا إلى طرح الإشكاليّة حول آثار الملابسات التّاريخيّة والسّياسيّة في تفسير الطّبريّ، ثمّ تعريفا لشخصيّة الإمام الطّبريّ، ومسيرته العلميّة وأبرز مؤلّفاته. وسلّطت الضّوء في الأخير على الجذور العربيّة الأولى «للمنهج التّاريخيّ» الّذي سيعتمد في الدّراسة. وفي الثّانية (هذه الحلقة) نتناول مسارات هذا المنهج وحدوده المعرفيّة، وتقاطعه مع علم التّفسير، ثمّ ندخل إلى صميم تفسير الطبري «جامع البيان» لنرى كيف وظّف الطبري منهجه الجامع للأخبار، ونظرته لمسألة التأويل، واشتراطه الصارم للإلمام باللغة العربية، وتقييم ذلك في ضوء تطور المعرفة الإنسانية. أمّا في الحلقة الثّالثة (الحلقة القادمة) فسنتطرّق إلى المعضلة الكبرى المتمثّلة في تأثير الرّواية المفرط على منهج الطّبريّ وموقفه المتشدّد حيال التّأويل بالرّأي ومسألتي العموم والنّسخ. ثمّ نستعرض في الحلقة الرّابعة (الأخيرة) تأثير خلفيّته الفقهيّة، وكيف أدّى منهجه النّقليّ الجامع إلى تسرّب الأساطير والإسرائيليّات إلى تفسيره، وانعكاس الثّقافة الرّسميّة على ذلك المنجز.
د.ناجي حجلاوي
-
من السّمات البارزة الّتي بانت بها إشكاليّات الفكر العربيّ المعاصر، سمةُ الاهتمام بالتّراث، لا من جهة التَّحقيق أو التَّعريف، بل من جهة المناظرة والتَّقويم. ومبرّر هذا المسلك في البحث، إنّما هو تحميل هذا التّراث المسؤوليّة عن أسباب التّأخُّر الحضاريّ من حيث مناهج التّفكير وأفعال التّدبير. وكان مآل هذه النِّقاشات - فضلا عن تحريك الإشكال التّراثيّ في الوعي المعاصر - الانتقاص من قيمته، أو إجلال قطاع من قطاعاته على حساب قطاعات أخرى؛ مثلما يُجلّ محمّد أركون (1928 - 2010) النّزعة الإنسانيّة الّتي عبّر عنها جيل مسكويه والتّوحيـــــــديّ، وكما رفـــــــع محمّد عابـــد الجابـــريّ (1935 - 2010) نظام الاستدلال البرهانيّ إلى رتبة اليقين المعرفيّ والمنهجيّ، أو مثلما بحث قبلهم عبد الرّحمن بدويّ (1917 - 2002) عن نزعة وجوديّة في التّراث العربيّ.
أ.د. عبدالرزاق بلقروز
-
تتطلّعُ قراءة الآخر، بوجه عامّ، إلى تقليص هامش الخواء المعرفيّ، وهو دورٌ منوط عادةً بعهدة الترجمة في جانب كبير منه، من خلال ما توفِّره من معارف وما تجليه من حقائق عن الآخر، درءًا لسوء الفهم وتمتينًا لعرى التواصل بين الثقافات. وضمن هذا الدور الجليل للترجمة، يأْتي الاطّلاعُ على الآداب الأجنبية في مقدّمة المواد المعرفية المحبَّذة. لذا يحرص عمل الترجمة الثقافية في الزمن الحديث على الانشغال بالأعمال الأدبية أكثر من الانشغال بالأعمال الفكرية والمؤلَّفات العلمية، وذلك ليُسْر نقل تلك الأعمال دون تعقيدات كبيرة، تمليها الترجمة المعرفية أحيانا، ولسرعة رواج الترجمة الأدبيّة في أوساط جمهور القرّاء. وعلى سبيل المثال ثمانون بالمئة ممّا نَقله العرب من اللغة الإيطالية يندرج ضمن التصنيف الأدبيّ، والباقي هي أعمال في الفنّ والمسرح ودراسات في العلوم الإنسانية والاجتماعية، من مجموع عامّ يبلغ 450 عملًا مترجَمًا.
د.عزالدين عناية
-
تتجاوز الرّؤية الجماليّة في الرّسالة الخاتمة حدود الأشكال الخارجيّة لتستقرّ في صميم «الفلسفة الوجوديّة» للإنسان، حيث لا يُمثّل الذّوق الجماليّ مجرّد «تحسينات» تزيينيّة، بل هو «ضرورة مقاصديّة» ترتبط بكيان الإنسان ووظيفته الاستخلافيّة.
وبناءً على ذلك، يضعنا الانطلاق من الحديث النّبويّ «إنّ اللّـه جميل يحبّ الجمال» أمام تأسيس أنطولوجيّ يجعل من الجمال قيمة عليا تتغلغل في النّسيج التّشريعيّ والقيميّ للأمّة. فإذا كانت مقاصد الشّريعة تدور حول حفظ المصالح الكبرى (الدّين، النّفس، العقل، النّسل، والمال)، فإنّ الذّوق الجماليّ هو «الحصن القيميّ» الّذي يحمي هذه المصالح من التّآكل تحت وطأة القبح والفوضى.
أ.د عبد الفتاح داودي
-
يمثّل هذا المقال حلقة ثانية في سلسلة تحليليّة تهدف إلى تفكيك مفهوم الإستراتيجيا وبنيته النّظريّة، فبعد أن تتبّعنا في المقال الأوّل مسار تشكّل المفهوم تاريخيّا وتطوّره الدّلاليّ، ننتقل هنا إلى تحليل وظيفته المنهجيّة الّتي شهدت تحوّلا جوهريّا في الفكر المعاصر.
محمد أمين هبيري
-
هذا النّوع من الفقه -فقه مقامات المشرّع ومنازل التّشريع- من أدقّ أنواع الفقه حقّا وفعلا، ومن ذا يحتاج تحريرا أوسع وأدقّ لمقدّماته. هو بعض فروع علم المقاصد. ومن ذا ولفرط حساسيّته التي تسيل لعاب ذوي البضاعة المزجاة في الفقه الدّينيّ -سواء من الغالين المحرّفين أو من المبطلين المنتحلين- فإنّه محصّن بضوابط تحميه وتمنع الدّخلاء والمتطفّلين من وطء حماه.
من ضوابط التّمييز بين مختلف المقامات النّبويّة، وخاصّة أكبر مقامين: مقام البلاغ الذي هو الأصل الرّاسخ، ولا يعدل عنه إلى مقام آخر عدا بحجّة ودليل، وهو المقام التّشريعيّ الملزم -لزوم السّنّة قولا وفعلا وتقريرا- لكلّ مؤمن بالله واليوم الآخر في مختلف مناحي الحياة؛ ومقام عدم اللّزوم، وهو أقسام كثيرة تعالجها هذه السّلسلة في إبّانها إن شاء الله. من تلك الضّوابط:
الهادي بريك
-
يشكّل التّداخل بين الأخلاقيّ والسّياسيّ إحدى أهمّ القضايا التّي استقطبت اهتمام الفكر الفلسفيّ والإنسانيّ منذ القدم؛ وذلك لأثرها المباشر في تشكيل طبيعة الحكم وتحديد غايات الاجتماع البشريّ. ولا تزال جدليّة الأخلاقيّ والسّياسيّ قضيّة متجدّدة عبر العصور، تذكيها حاجة الإنسان الفطريّة إلى الاجتماع وميله للعيش في كيانات جماعيّة، ساعيا دوما للارتقاء بها نحو مراتب المثاليّة، ضمن ترابط عضويّ يبلغ درجة التّمازج، وهو ما يتجلّى بوضوح في فلسفة الأخلاق والسّياسة عند الفارابيّ. ويعدّ «المعلّم الثّاني» الرّائد المؤسّس للفلسفة السّياسيّة الإسلاميّة؛ حيث أرسى دعائم دولة فاضلة مثاليّة، تجسّد تطلّعات الإنسانيّة على اختلاف شرائعها ومرجعيّاتها واقعا. فلم يفصل الفارابيّ بين تدبير المدينة وتهذيب النّفس، بل أحكم الرّبط بين السّياسة والفضيلة، جاعلا من السّعادة القصوى للإنسان غاية الغايات.
وقد سعينا في هذه الدّراسة، التّي ارتأينا تقسيمها إلى خمس حلقات، إلى تتبّع جذور مبحث «جدليّة الأخلاقيّ والسّياسيّ في فلسفة الفارابيّ» بدءا من مهدها الأوّل في الفلسفة الإغريقيّة. فانطلقنا من «سقراط»، مؤسّس فلسفة الأخلاق الملقّب بـ«أبي الفلسفة» وواضع اللّبنة الأولى للتّفكير الأخلاقيّ السّياسيّ، ثمّ واكبنا مسار تطوّر هذه النّظريّة مرورا بأفلاطون وأرسطو، وصولا إلى المدرسة الرّواقيّة.وتأسيسا على ذلك، أفردنا الحلقة الأولى لمقاربة مفهوم الأخلاق عند هذه المدارس، بينما خصّصنا الحلقة الثّانية لمفهوم السّياسة لديها، متجاوزين في مقاربتنا حدود التّحليل اللّغويّ الصّرف للمصطلحين. وانطلاقا من هذه الرّؤية التّأسيسيّة، توجّهنا نحو تبيان الأسس النّظريّة لعلاقة الأخلاقيّ والسّياسيّ في فلسفة الفارابيّ؛ فحلّلنا مفهومي «الأخلاق» و«السّياسة» في نسقه الفكريّ، وكشفنا عن التّلازم الحتميّ بين الفضيلة والسّلطة (في الحلقتين الثّالثة والرّابعة)، لنتوّج هذا المسار باستعراض تصوّره للمدينة الفاضلة، بوصفها النّموذج الحضاريّ الأرقى لتكامل القيم مع التّنظيم السّياسيّ (في الحلقة الأخيرة).
عبير خلف الله
-
يرتبط التّأويل عند محيي الدّين بن عربي (ت 638 هـ) بنظريّته في المعرفة القائمة على تأويل جوهري وأساسي هو عقيدته الكبرى في الوجود متمثّلة في «وحدة الوجود». وإذا كان من اليسير تناول قضيّة التّأويل مفهوما وقانونا عند ابن رشد مثلا الذي جعل للتّأويل قانونا أعلن عن حقائقه ورسم فيه شروطه وأبان عن آليّاته كما يتصوّرها هو، فإنّ الأمر بالنّسبة لابن عربي لا يمكن أن يتمّ بتلك الكيفيّة، إنّ عرفانه كلّه عبارة عن قراءة تأويليّة جعل مركزها تناول معنى الألوهيّة وتحليل كلّ ما يمكن أن تقدّمه مضامين عقيدة تؤمن بأنّ للكون إلها، أي عقيدة توحيّديّة مؤمنة وملتزمة. ليس ذلك فحسب، فإنّ توسيع ابن عربي لمعنى «النّصّ» لكيلا يشمل النّصّ القرآني فحسب بل نصّ الوجود بكلّ تجلياته، يجعل من أيّة محاولة لحصر مفهوم التّأويل لديه بكونه تجاوز الظّاهر إلى الباطن مثلا محاولة سطحيّة لا ترقى إلى حقيقة ما أراد الإفصاح عنه إن وجوديّا أو عرفانيّا.
د. سعيد الشبلي
-
يُعدّ كلٌّ من محمّد عابد الجابريّ وطه عبد الرّحمن وأبي يعرب المرزوقيّ من أبرز أعلام الفكر الفلسفيّ في السّياق العربيّ المعاصر، حيثُ أسهمت أعمالهم في تشكيل أحد أهمّ مسارات النّقاش حول إشكاليّة النّهضة العربيّة والإسلاميّة. ولم يقتصر تأثيرهم على نقد المناهج الغربيّة الحديثة فحسب، بل تجاوز ذلك إلى بناء مشاريع نظريّة متكاملة تسعى إلى تقديم إجابات منهجيّة عن أسئلة العقل، والمرجعيّة، والدّولة، والتّاريخ.
وعلى الرّغم من تباين منطلقاتهم المعرفيّة وتوجّهاتهم الفكريّة، ينتمي المفكّرون الثّلاثة إلى حقل الفلسفة؛ وقد انشغل كلٌّ منهم بإعادة قراءة التّراث والتّاريخ في أفق استشراف المستقبل وصياغة تصوّرات بديلة للإصلاح الحضاريّ. ومن ثمّ، فإنّ دراسة إنتاجهم الفكريّ لا تكشف فقط عن ملامح مشاريعهم الخاصّة، بل تُبرز أيضًا نقاط الالتقاء ومجالات الاختلاف التي شكّلت ديناميّة السّجال الفلسفيّ بينهم.
لقد اشتهر محمّد عابد الجابريّ، وهو فيلسوف ومفكّر مغربيّ (1935–2010)، بمشروعه «نقد العقل العربيّ»؛ إذ قدّم قراءةً إبستمولوجيّة للتّراث قسّم فيها العقل إلى بيانيّ وعرفانيّ وبرهانيّ، ودعا إلى إحياء العقل البرهانيّ لبناء نهضة عربيّة حديثة. أمّا طه عبد الرّحمن، الفيلسوف المغربيّ المعاصر المولود سنة 1944، فقد أسّس مقاربةً أخلاقيّة تداوليّة تُعيد تعريف العقل بوصفه ممارسةً مؤيّدةً بالقيَم والوحي؛ مركّزًا على مفهوم الائتمان ونقد العقل الأداتيّ والحداثة من منظور إيمانيّ. وفي المقابل، يطرح أبو يعرب المرزوقيّ، وهو فيلسوف تونسيّ ولد عام 1947، رؤيةً عقلانيّة كونيّة متأثّرةً بابن خلدون وابن تيميّة؛ حيث يربط الإصلاح الدّينيّ بالنّهضة السّياسيّة والعمرانيّة، ويؤكّد مركزيّة الدّولة والفاعليّة التّاريخيّة في مشروع الإحياء الحضاريّ.
حسن الطرابلسي
-
تنبثق فلسفة الحكم وممارسة السّياسة من طبيعة العلاقة الجدلية بين الواقع والغائيّة؛ إذ ليس أشدّ على النّفس الإنسانيّة من مواجهة أسئلة الحكم الكبرى: لمن السّلطة؟ وبأيّ شرعيّة؟ ولأيّ غاية؟ فبينما يرى البعض أنّ السّياسة هي فنّ الإمساك بزمام السّلطة بأيّ ثمن، يراها آخرون تكليفًا أخلاقيًّا يرتقي بالإنسان. وفي سبر أغوار هذه الجدليّة، تبرز المقارنة بين نموذجين: الممارسة الميكافيليّة التي تفصل السّياسة عن الفضيلة، والرّؤية الإسلاميّة التي جعلتهما في وحدة عضويّة. وهو ما سنحرص على توضيحه في المقال التالي:
د. عبد الفتاح أبوماضي
-
يعيش العالم اليوم تحوّلات عميقة وشاملة، وتجتاحه حروب لا تنتهي في غزة وأوكرانيا وإيران، وتتمدّد فيه زلازل إمبراطوريّة وإقليميّة تهزّ استقراره وتُهدّد السلم العالمي. تحوّلات تتطلّب من الدارسين والمراقبين للشأن الدولي مقاربات مركّبة ومتعدّدة المستويات تحلّل طبيعة تلك التحوّلات، وما إذا كانت تعكس أزمة أو مأزقاً أو نهاية دورة حضاريّة امتدّت على قرون إلى أن ترهّلت وفقدت البوصلة، وقواعد التّوازن، والاتزان الإنساني والبشري. إذ لا يمكن تحليل الأزمة الحالية إلاّ من خلال فهم تداخُل مستوياتها وتراكُبها في سياق تاريخي-حضاري متحوّل. فهل يعيش العالم حقّاً مأزقاً تاريخيّاً؟
عبدالعزيز التميمي
-
استكمالا لما سبق طرحه من صيغ الأوامر والنّواهي الإلهيّة: (الاجتناب، والتّحريم، والنّهي عن القرب، والأمر، والنّهي)، شرعنا منذ العدد 224 في تناول الكبائر المترتّبة على ترك الفرائض الّتي ورد ذكرها بصيغة: «كُتِبَ عليكم». وتُعدّ هذه الصّيغة آخر صيغ الأوامر والنّواهي الإلهيّة الّتي نبحثها ونبيّن أحكامها. وقد وردت حصرا في الآيات المدنيّة دون المكيّة، وتحديدا في الثّلث الأخير من سورة البقرة في مطلع الهجرة (1 - 2 هـ)، وتشمل: الوصيّة، والصّيام، والقصاص في القتلى، والقتال في سبيل الله. وبعد أن تطرّقنا في الحلقتين الماضيّتين إلى «الوصيّة» و «الصّيام»، نخصّص هذه الحلقة للحديث عن «القصاص في القتلى»، لنختتم السّلسلة -بمشيئة الله- في حلقتين قادمتين بتناول مسألة «القتال في سبيل الله».
م.لسعد سليم
-
لِلصّحّةِ النّفْسيّةِ المُجتمعيّة أهمّيّة جوهريّة كجزءٍ لا يتجزّأ من أمن واستقرار ورفاه الأوطان. وهي حصيلة التّفاعلات والاستجابات (الفرديّة والأُسريّة، وهما لَبِنات المُجتمع) للضّغوط الحياتيّة، والمخاوف المُتعدّدة. كما أنّها لا تقتصر على غياب الاضطرابات والمشاكل النّفسيّة، بل ترتبط بتحقيق عدد من الحاجات الضّروريّة للمُجتمع. فما هو هدي الإسلام وشريعته في هذا المِضمار؟
أ.د. ناصر أحمد سنه
-
في عالم تتسارع فيه التّحوّلات الجيوسياسيّة والاقتصاديّة، لم يعد الحديث عن مستقبل الدّولار كعملة عالميّة مجرّد نقاش نظريّ، بل أصبح مرتبطاً مباشرة بوقائع ميدانيّة تعيد تشكيل موازين القوّة الدّوليّة. فسياسات الحصار الاقتصاديّ والعقوبات الماليّة، الّتي باتت أداة رئيسيّة في إدارة الصّراعات، إلى جانب تداعيات الحرب الرّوسيّة الأوكرانيّة، والتّصعيد المستمرّ في التّوتّرات بين إيران وإسرائيل، كلّها عوامل تعيد طرح تساؤلات جوهريّة حول استمراريّة هيمنة الدّولار.
لقد كشفت هذه الأزمات عن مدى ارتباط النّظام الماليّ العالميّ بالقرار السّياسيّ، وأبرزت في الوقت ذاته محاولات متزايدة من قوى دوليّة للبحث عن بدائل تقلّل من الاعتماد على العملة الأمريكيّة. وفي هذا السّياق، يكتسب النّقاش حول صمود الدّولار أو تراجعه أهمّيّة مضاعفة، باعتباره مرآة لتحوّلات أعمق تمسّ بنية النّظام العالميّ ذاته، لا مجرّد تغيّر في أداة التّبادل.
الحبيب غربال
-
تتوالى على الأُمَّةِ الإِسْلاميَّةِ نكباتٌ قاسية، وفتنٌ شديدة، ومصائبُ متلاحقة، الواحدة تلو الأُخرى، وكُلُّ واحدةٍ أَشَدُّ وأَعْتَى من سابقتها، مِمَّا جعل مشاعر الإِحْباط واليأس تسود حياتنا وتُوهن خطانا. ولكنَّ أُمَّتَنا الإِسْلاميَّةَ ليست هي الأُمَّةَ الوحيدةَ الَّتي مرَّت عليها مثل هذه المصاعب، وليست هي الأُمَّةَ الوحيدةَ الَّتي تخلَّفت عن ركب التَّقَدُّم والحضارة ثُمَّ لحقت به بعد أَنْ كانت ذات ريادة، وصاحبة فضل وباعٍ طويلٍ فيه، وليست هي الأُمَّةَ الأُولى الَّتي غفلت ثُمَّ استيقظت من غفلتها.
أشرف شعبان أبو أحمد
-
تستهدف هذه الدّراسة تحليل البعد السّياحيّ في رحلة ابن بطّوطة ودراسة أسباب انتشارها المحدود مقارنة بالدّور الإعلاميّ لـرحلات الرّحّالة الأوروبيّين الّذين سبقوا ابن بطّوطة بسنوات أمثال ماركو بولو أو من جاء بعده. وتستعرض هذه الدّراسة الأبعاد السّياحيّة العميقة الّتي تضمّنتها رحلة ابن بطّوطة والّتي برزت بالخصوص في وصف المعالم والعادات والتّقاليد، وتنوّع الخدمات وغيرها، ممّا أهّلها لتكون دليلاً سياحيّاً رائداً، وذلك رغم افتقارها إلى مشروع إعلاميّ منظّم مثل الّذي واكب الرّحّالة الغربيّين، وهو من أهمّ الأسباب الّتي حدّت من تأثيرها المباشر في عصرها.
واعتماداً على المنهج التّاريخيّ التّحليليّ والمنهج المقارن، توصّل البحث إلى نتائج أهمّها:
أنّ الدّعاية والآلة الإعلاميّة الأوروبيّة لعبت دوراً حاسماً في انتشار رحلات الغربيّين وبناء صورة العالم بما شملته هذه الآلة من فنون الطّباعة والدّعم الرّسميّ، والتّوجيه الاستعماريّ. بينما اقتصر تأثير ابن بطّوطة على النّخبة والعلماء والأمراء داخل العالم الإسلاميّ.
ويُبرِز البحثُ كذلك إعادةَ اكتشاف الرّحلة في العصر الحاضر بوصفها علامة سياحيّة وثقافيّة عالميّة يتمّ توظيفها في التّسويق السّياحيّ والحملات الإعلاميّة السّياحيّة،
وتُختتَم الدّراسة بتوصيات أهمّها ضرورة توظيف تراث ابن بطّوطة في الإعلام السّياحيّ المعاصر عَبْرَ تصميم مسارات سياحيّة وإنتاج موادّ إعلاميّة متميّزة والعمل على ترجمة أدب الرّحلة العربيّ لتصحيح الصّورة النّمطيّة عن الشّرق.
محمد صالح بنحامد
-
في إطار الرّسالة التّنويريّة الّتي تتبنّاها «مجلّة الإصلاح» لمواكبة القضايا الرّاهنة وتفكيكها، ارتأيت أن أطرح عبر صفحاتها هذه الورقة المتمحورة حول التّغيّرات المناخيّة. لقد أردتها أن تحمل طمأنةً من القلق المناخيّ -صوابًا كان أو خطأً- الّذي أصاب المجتمعات بجميع مكوّناتها، ولعلّها تكون وثيقةً توجيهيّةً تصحّح بعض المفاهيم وتضعها في نصابها. في هذه الحلقة الأولى من سلسلة مقالات تفكّك سرديّة «التّغيّرات المناخيّة»، نؤسّس للفهم الصّحيح بعيدًا عن التّشويش الّذي أحدثه الإعلام الموازي والتّهويل الممنهج. تهدف هذه الورقة إلى تقديم قراءة هادئة وعقلانيّة، تزيل غشاوة «الهستيريا» الّتي أصابت الرّأي العامّ، وتضع المصطلحات العلميّة في نصابها الحقيقيّ لتخليصها من التّوظيف الّذي حوّل المناخ إلى أداة ترهيب. هنا، نبدأ بضبط المفاهيم..
م.رفيق الشاهد
-
كيف نعيشُ بـ «عَيْنٍ» تَرى الخَلْقَ و«قَلْبٍ» يَشْهَدُ الخالِقَ؟ ولماذا نحتاجُ إلى بيولوجيّا المَعْنى بين المُخْتَبَرِ والمِحْرابِ؟ وكيف نَسْتَقْبِلُ رسائلَ الخالِقِ المُشفَّرةَ في أجسادِنا؟ إنَّ أدبَ الحواسِّ يُجيبُ عن ذلك.
ومتى يَتَحقَّقُ الاِستواءُ على عَرْشِ الاِستبصارِ؟ أيَكونُ ذلك حين يُصْبِحُ الجسدُ تسبيحاً مُتماهياً مع تجلّياتِ الحقِّ، وتتحوَّلُ الفكرةُ إلى سَعْيٍ في مُلْكِ اللهِ؟
شكري سلطاني
-
الإمام محمّد عبده مفكّر إسلاميّ وعالم دين مصريّ، وفقيه وقاض وكاتب مجدّد، يعدّ أحد أهمّ دعاة النّهضة والإصلاح في العالم العربيّ والإسلاميّ، ورمز التّجديد في الفقه الإسلاميّ، حمل على عاتقه مهمّة جسيمة تتمثّل في إيقاظ العقل المسلم من سباته العميق، فأسهم بعد التّقائه بأستاذه جمال الدّين الأفغانيّ في إنشاء حركة فكريّة تجديديّة إسلاميّة في أواخر القرن التّاسع عشر وبدايات القرن العشرين تهدف إلى القضاء على الجمود الفكريّ والحضاريّ وإعادة إحياء الأمّة الإسلاميّة لتواكب متطلّبات العصر عبر مدّ جسور متينة بين أصالة التّراث ومتطلّبات الحداثة.
م.فيصل العش
-
.. في إحدى تَمفصُلات الزّمن المُجْحِــــــــــــــــف،
و حين كانت بِطَورها الجَنِيني تتبرعـــــــــــــــــــــــم
في أرحام الغُيوب فسائلٌ ما، كان الإحيــــــــاء
في الثّاني و العشرين من أغسطس الشّادِي
يومها، بالكاف و النّون ابتدأت السّرديّــــــــــــــــة
بأعبائها تَنُوء، والدّهرُ لا يَبُوءُ إلا بالعِنـــــــــــــــــــادِ
الشاذلي دمق