-
كثيراً ما تذوب الحدود الفاصلة بين المصطلحات في خضم التّداول اللّغوي اليومي، فتغدو كلمات «التّفكير» و«التّأمّل» و«التّدبّر» و«النّظر» مترادفات تؤدّي وظيفة دلاليّة واحدة. بيد أنّ اللّسان العربي و«البيان القرآني» تحديدا -باعتباره بنية هندسيّة محكمة- يأبى هذا التّرادف العشوائي، إذ يتميّز بدقّة متناهية تجعل من التّرادف المحض أمراً نادراً؛ فكلّ مفردة تأتي لتملأ حيزاً دلاليّاً لا تملؤه غيرها. ومن أكثر الثّنائيّات تداولاً وتداخلاً في الذّهنيّة العامّة -والتي تحتاج إلى تبيان- ثنائيّة «التّفكّر» و«التّدبّر»، فكلاهما يشير إلى نشاط ذهني وروحي، إلاّ أنّ الفرق بينهما في «المحلّ» و«الآليّة» و«الغاية» فرق جوهري، يعكس هندسة دقيقة لبناء الإنسان المسلم، ممّا يجعل التّمييز الدّقيق بينهما مدخلاً رئيساً لفهم كيفيّة بناء القرآن لعقل المسلم ووجدانه.
م.فيصل العش
-
عندما يتحدّث مارتن هايدغر(1) عن نمط وجود جديد فهو لا يقصد تغيّراً في الطّبيعة البيولوجيّة للإنسان، وإنّما يشير إلى تحوّل عميق في الكيفيّة التي ينكشف فيها الوجود للإنسان، ويفهم عبرها ذاته والأشياء والزّمان والمعنى. كلّ عصر تاريخيّ ينكشف فيه الوجود للإنسان بكيفيّة معيّنة، التّقنية الحديثة ليست حياديّة، بل طريقة مخصوصة يظهر بها العالم للإنسان. الوجود عند هايدغر ليس معطى ثابتاً، وإنّما أفق انكشاف تاريخيّ، وكلّ عصر يفرض كيفيّته الخاصّة في هذا الانكشاف، وحين يتغيّر الأفق يتغيّر نمط الوجود نفسه. ماهيّة الوجود الخوارزمي ليست خوارزميّة، يقول هايدغر: «ماهيّة التّقنية ليست مطلقاً شيئاً تقنيّاً»(2)، بمعنى أنّ التّقنية الحديثة لا تُفهم على حقيقتها إذا اختُزلت في الأدوات والآلات والأجهزة والمعادلات الرياضيّة، لأنّها قبل ذلك نمط تاريخيّ لانكشاف الوجود. التّقنية ليست مجرّد وسائل وأدوات بيد الإنسان، إنّما هي أفق شامل تظهر فيه الأشياء والعالم والإنسان نفسه من زاوية واحدة، هي زاوية الوظيفة والسّيطرة والمعادلات الحسابيّة. هذا النمط من الانكشاف يسمّيه هايدغر الجهاز (Ge-stell)، وهذا الجهاز ليس آلة ولا منظومة تقنيّة بعينها، بل الإطار الكليّ الذي تظهر فيه الموجودات ويضعها تحت الطلب. في هذا الجهاز يظهر كلّ ما هو كائن، بما في ذلك الإنسان، بوصفه مخزوناً قابلاً للحساب والتّنظيم والاستغلال.
أ.د.عبدالجبار الرفاعي
-
لكلّ عمل ثقافيّ خاصّيّات تميّزه عن غيره، ولا سيّما إذا كان عملا متكاملا مثل تفسير الطّبريّ. ولمّا كانت المناهج المساعدة على الدّراسة عديدة ومتنوّعة، فإنّ المنهج التّاريخيّ واحد من أهمّ هذه المناهج. ولعلّ أهمّ المزايا في هذا المنهج تكمن في تنزيل الموضوع المدروس ضمن إطاره المحدّد في فضاء المتغيّرات الاجتماعيّة والتّاريخيّة، والإبانة عن نواقصه المعرفيّة بغضّ النّظر عن الأسباب الدّاعية إلى ذلك. فسلطة المفسّر في القرون الإسلاميّة الأولى قد نبعت من سلطة النّصّ المقدّس، في عصر كانت السّلطة السّياسيّة شديدة الرّغبة في اكتساب الشّرعيّة من خلال توظيف القائمين على الشّأن الدّينيّ. فما هي آثار هذه الملابسات في تفسير الطّبريّ؟
قسّمنا هذه الدّراسة إلى أربع حلقات تنشر بحول اللّـه متتالية، تتضمّن الحلقة الأولى (هذه الحلقة) تقديما عامّا للبحث، وبيان أهمّيّة الزّمن والتّاريخ في النّصّ القرآنيّ، وبدايات التّفسير، وصولا إلى طرح الإشكاليّة حول آثار الملابسات التّاريخيّة والسّياسيّة في تفسير الطّبريّ، ثمّ تعريفا لشخصيّة الإمام الطّبريّ، ومسيرته العلميّة وأبرز مؤلّفاته. وتسلّط الضّوء في الأخير على الجذور العربيّة الأولى «للمنهج التّاريخيّ» الّذي سيعتمد في الدّراسة. وفي الثّانية (الحلقة القادمة) نتناول مسارات هذا المنهج وحدوده المعرفيّة، وتقاطعه مع علم التّفسير، ثمّ نبدأ في التّطرّق إلى صميم تفسير الطّبريّ «جامع البيان» في ضوء المنهج التّاريخيّ. وفي الحلقة الثّالثة نتطرّق إلى المعضلة الكبرى المتمثّلة في تأثير الرّواية المفرط على منهج الطّبريّ وموقفه المتشدّد حيال التّأويل بالرّأي ومسألتي العموم والنّسخ. ثمّ نستعرض في الحلقة الرّابعة (الأخيرة) تأثير خلفيّته الفقهيّة، وكيف أدّى منهجه النّقليّ الجامع إلى تسرّب الأساطير والإسرائيليّات إلى تفسيره، وانعكاس الثّقافة الرّسميّة على ذلك المنجز.
د.ناجي حجلاوي
-
إنّ مساءلتنا لمسألة حدود الكونيّة والخصوصيّة لمشروع الحداثة الغربيّة، يتأتّى من مُسؤّغ جملة التّحوّلات الكبرى التي حايثت تجربة هذه الحداثة، ونقلتها من كونها بديهيّة أو حقيقة يقينيّة إلى مشكلة وعائق ومآل عدمي ومأساوي، أو بعبارتنا : «من معرفة الحداثة إلى مشكلة الحداثة».
أ.د. عبدالرزاق بلقروز
-
عرفت الدّراسات الشرقيّة في إيطاليا خلال العقود الثّلاثة الأخيرة نقلة بارزة، تمثّلت في اتّساع رقعة المهتمّين باللّغة والآداب العربيّة، بعد أن كانت محصورة في دائرة ضيّقة من الدّارسين والمستشرقين ورجال الدّين الكاثوليك، ناهيك عن مستجدّات في صلب المنهج والمقاربات. وفي ظلّ هذه التّحوّلات باتت تتوزّع انشغالات المعنيّين، في الوقت الرّاهن، على أربعة حقول أساسيّة: حقل الدّراسات الأدبيّة بشقّيها القديم والحديث، وحقل الأبحاث التّاريخيّة، وحقل القضايا السّياسيّة الحديثة والمعاصرة، وحقل الإسلاميّات. يأتّى ذلك في أعقاب مراجعات حصلت داخل الاستشراق الغربيّ عامّة، لم تدخّر جهدا في انتقاد المنزع الإيديولوجيّ، مع تنبيه لتفادي سقطات الاختزال والتّعميم. وهو ما يمكن الحديث معه عن تحوّل جار من عموم الاستشراق إلى تخصّص الاستعراب، بالانكباب حصرا على قضايا الدّراسات العربيّة، التي باتت تعرف في الوسط الأكاديميّ الإيطاليّ بالاستعراب «Arabismo»، ويطلق على المختصّ في المجال مستعرب «Arabista»، قياسا على لفظتي استشراق ومستشرق.
د.عزالدين عناية
-
لم يكن كلام «نتنياهو» حول إنشاء تحالف أوْ محور سداسي حول الشرق الأوسط أوْ في داخله كلاماً عابراً؛ إذْ إنّه كان حديثاً مُعدّاً بعناية في بداية جلسة مجلس الوزراء الإسرائيليّ الأسبوعيّة، حيث تعمّد أنْ يعطيه الطابع الرسميّ والأهمّيّة اللازمة، وأنْ يأخذ خطابه مدى واسعاً في التّغطية الإعلاميّة الدّاخليّة والخارجية، وقدّمه على شكل رؤية مستقبليّة بين يدي الإعلان عن زيارة مرتقبة لرئيس وزراء الهند «ناريندرا مودي».
أ. د. محسن محمد صالح
-
لاتنهض الأمم بالصّدفة، ولا تسقط فجأة، بل تتحرّك داخل قوانين تاريخيّة صارمة تحكم علاقتها بالزّمن، وبذاتها، وبالعالم. وفي لحظات التّحوّل الكبرى، حين تتراكم الأزمات وتتعطّل البوصلة، لا يعود السّؤال الجوهريّ متعلّقًا بما تملكه الأمّة من موارد، بل بما تملكه من قدرة على الفعل، أي بمدى فاعليّتها التّاريخيّة. هنا يتقدّم مفهوم «اقتحام العقبة» بوصفه مفتاحًا سننيًّا لفهم حركة الحضارات بين النّهوض والانكفاء، لا باعتباره توجيهًا أخلاقيًّا فرديًّا، بل قانونًا حركيًّا يربط بين البنية النّفسيّة للجماعة وموقعها في معادلة التّاريخ.
أ.د عبد الفتاح داودي
-
ظلّت المعرفة تشكّل أَحد المقوّمات الأساسيّة الّتي تقوم عليها قيمة الإنسان باعتباره كائناً واعياً عاقلاً، وبها يكتسب تميّزه داخل هذا الوجود. فالإنسان لا يستقيم له عيش، ولا يكتمل له معنى الإنسانيّة، إِلّا بقدرته على التّعلّم، وبما يحصّله مِن معرفة تمكّنه مِن فهم ذاته، والتّعرّف إِلَى خالقه، والتّفاعل مع محيطه الطّبيعيّ والاجتماعيّ. ولهذا كانت المعرفة ضرورة لا يستغني عنها الإنسان، باعتبارها شرطاً لحياة إنسانيّة واعية، يدرك فيها الإنسان موقعه، وحدود فعله، ومسؤوليّته فِي هذاالكون.
د. حميد حقي
-
يشكّل التّداخل بين الأخلاقيّ والسّياسيّ إحدى أهمّ القضايا التّي استقطبت اهتمام الفكر الفلسفيّ والإنسانيّ منذ القدم؛ وذلك لأثرها المباشر في تشكيل طبيعة الحكم وتحديد غايات الاجتماع البشريّ. ولا تزال جدليّة الأخلاقيّ والسّياسيّ قضيّة متجدّدة عبر العصور، تذكيها حاجة الإنسان الفطريّة إلى الاجتماع وميله للعيش في كيانات جماعيّة، ساعيا دوما للارتقاء بها نحو مراتب المثاليّة، ضمن ترابط عضويّ يبلغ درجة التّمازج، وهو ما يتجلّى بوضوح في فلسفة الأخلاق والسّياسة عند الفارابيّ. ويعدّ «المعلّم الثّاني» الرّائد المؤسّس للفلسفة السّياسيّة الإسلاميّة؛ حيث أرسى دعائم دولة فاضلة مثاليّة، تجسّد تطلّعات الإنسانيّة على اختلاف شرائعها ومرجعيّاتها واقعا. فلم يفصل الفارابيّ بين تدبير المدينة وتهذيب النّفس، بل أحكم الرّبط بين السّياسة والفضيلة، جاعلا من السّعادة القصوى للإنسان غاية الغايات.
وقد سعينا في هذه الدّراسة، التّي ارتأينا تقسيمها إلى خمس حلقات، إلى تتبّع جذور مبحث «جدليّة الأخلاقيّ والسّياسيّ في فلسفة الفارابيّ» بدءا من مهدها الأوّل في الفلسفة الإغريقيّة. فانطلقنا من «سقراط»، مؤسّس فلسفة الأخلاق الملقّب بـ«أبي الفلسفة» وواضع اللّبنة الأولى للتّفكير الأخلاقيّ السّياسيّ، ثمّ واكبنا مسار تطوّر هذه النّظريّة مرورا بأفلاطون وأرسطو، وصولا إلى المدرسة الرّواقيّة.وتأسيسا على ذلك، أفردنا الحلقة الأولى لمقاربة مفهوم الأخلاق عند هذه المدارس، بينما خصّصنا الحلقة الثّانية لمفهوم السّياسة لديها، متجاوزين في مقاربتنا حدود التّحليل اللّغويّ الصّرف للمصطلحين. وانطلاقا من هذه الرّؤية التّأسيسيّة، توجّهنا نحو تبيان الأسس النّظريّة لعلاقة الأخلاقيّ والسّياسيّ في فلسفة الفارابيّ؛ فحلّلنا مفهومي «الأخلاق» و«السّياسة» في نسقه الفكريّ، وكشفنا عن التّلازم الحتميّ بين الفضيلة والسّلطة (في الحلقتين الثّالثة والرّابعة)، لنتوّج هذا المسار باستعراض تصوّره للمدينة الفاضلة، بوصفها النّموذج الحضاريّ الأرقى لتكامل القيم مع التّنظيم السّياسيّ (في الحلقة الأخيرة).
عبير خلف الله
-
يسعدني أن أضع بين يدي القارئ الكريم هذه السلسلة من المقالات التي ستصدر تباعاً، بحول الله، خلال 9 حلقات على أعمدة «مجلة الإصلاح» الغرّاء. تتضمّن هذه السلسلة ثلاثة محاور أساسيّة، هي في الأصل بحوث أعددتها ضمن إطار المشاركة في بعض الملتقيات الدّوليّة التي اهتمت بالتّصوّف.
المحور الأول عنوانه «تأويل النّصّ القرآني عند محيي الدّين بن عربي»، وقد قدمته ضمن أشغال ملتقى «التّأويل في الفكر الإسلامي» الذي نظّمه المعهد الأعلى للشّريعة الإسلاميّة (أحد معاهد جامعة الزّيتونة). والمحور الثّاني عنوانه «علم القلوب: نظام الفهم وحدود التّأويل: بين الغزالي وابن عربي»، قدّمته ضمن أشغال الملتقى الذي نظّمته مؤسّسة «بيت الحكمة» بتونس بمناسبة المئويّة التّاسعة لوفاة الإمام الغزالي. أمّا المحور الثّالث فجاء بعنوان «دلالة الجسد في العرفان الصّوفي»، وقدّمته ضمن أشغال ملتقى الإمام المازري للفلسفة والتّصوّف.
ولمّا كانت علاقتي بالتّصوّف الإسلامي -الذي جعلته موضوع اختصاصي مع علم أصول الدّين ضمن المراحل العليا لدراستي بجامعة الزّيتونة بتونس- قديمة وطويلة، فقد سعيت في هذه الدّراسات المتأخّرة إلى صوغ موقف نقدي من التّصوّف، يتجاوز مجرّد الدّراسة التّحليليّة التّعريفيّة التي اعتنيت بها في البحوث الأكاديميّة التي قدّمتها للمناقشة في رحاب الجامعة.
د. سعيد الشبلي
-
يعدّ مفهوم الإستراتيجيا (Strategy) من أكثر المفاهيم تداولا في الفكر المعاصر، حيث تجاوز حدود الثّكنات العسكريّة ليصبح ركيزة أساسيّة في تدبير الشّأن العامّ، وإدارة المؤسّسات الاقتصاديّة، وحتّى في صياغة مسارات الحياة الفرديّة. إنّ هذا الحضور الطّاغي للمصطلح في الخطاب الأكاديميّ واليوميّ على حدّ سواء، أدّى إلى نوع من «التّضخّم الدّلاليّ» الّذي قد يحجب الجوهر المعرفيّ للمفهوم. فبينما يستخدم المصطلح اليوم للإشارة إلى أيّ خطّة طويلة الأمد، فإنّ جذوره تضرب عميقا في فلسفة الصّراع وإدارة القوّة. تبرز الحاجة الملحّة لتتبّع مسارات تشكّل هذا المفهوم، ليس فقط من باب التّأريخ، بل لفهم المنطق العقلانيّ الّذي يوجّه الفعل الإنسانيّ المعاصر، ولتأسيس أرضيّة صلبة قبل الانتقال إلى نقد الأسس النّظريّة الّتي يقوم عليها هذا العقل الإستراتيجيّ.
محمد أمين هبيري
-
هذا الفقه -فقه المقامات- هو فرع من حركة الفقه العامّ الذي يعالجه أهله في محالّه في حقل الشّريعة الإسلاميّة لأجل غرض أكبر عظيم هو: بلوغ أقصى ما يمكن من درجات العلم والمعرفة بأقصى ما يمكن من الصحّة والوثوق والاطمئنان. ذلك أنّ الفقه -بخلاف الشّريعة- نسبيّ في ثمراته؛ فلا يدّعى له قطع تامّ في المعنى، سيّما في المتشابهات والظّنّيّات، وما تخترمه عوامل التّغيّر من زمان لزمان، ومن مكان لمكان، ومن حال لحال، وعرف لعرف. الشّريعة هي الأصل الحاكم الثّابت المقطوع به، إذ هي وحي يوحى.
الهادي بريك
-
يهدف هذا المقال إلى بيان قيمة ما أنجزه جون ديوي عندما أعاد تأهيل التّجربة الفنّيّة، فحرّر الفنّ من أزمته. كما يبيّن المقال أيضا أنّ هذا الأمر تطلّب من جون ديوي تنقية التّصوّر البيولوجيّ للخبرة كي يتحوّل من أداة للصّراع من أجل الانتقاء الطّبيعيّ إلى أداة للتّفاعل من أجل إضفاء بعد جماليّ على العمل الفنّيّ.
إنّ ربط التّجربة الفنّيّة بالخبرة بوساطة التّطوّريّة البيولوجيّة هو الّذي مكّن جون ديوي أيضا من إعادة تأهيل الخبرة التّربويّة وتأسيس فلسفة التّربية التّقدّميّة.
محيي الدين لمليّح
-
في ظلّ التّحوّلات الاقتصاديّة الرّاهنة، تتزايد الحاجة إلى مقاربات تنمويّة تتجاوز مجرّد النّموّ المادّيّ لتلامس جوهر الإنسان وقيمه. من هذا المنطلق، نضع بين أيديكم هذا المقال التّأسيسيّ الّذي يطرح مفهوم «التّنمية الطّيّبة» وفق رؤية مقاصديّة عميقة.
إنّه دعوة للتّأمّل في مسار اقتصاديّ بديل يجمع بين الفاعليّة والعدالة الاجتماعيّة؛ مسار تتكامل فيه المؤسّسات وتتنوّع المبادرات من أجل بناء مجتمع متضامن يعلو فيه الصّالح العامّ. ندعوكم لقراءة هذا الطّرح المعمّق، واستكشاف أبعاد الاقتصاد التّكافليّ والتّضامنيّ بوصفه رافدا أساسيّا للتّنمية الحقيقيّة.
الحبيب غربال
-
في ظل التحولات الاقتصادية والاجتماعية المتسارعة، تبرز ظاهرة الاستهلاك المفرط والتبذير الغذائي كإحدى أهم التحديات الهيكلية التي تواجه المجتمع التونسي، لا سيما خلال التفاعلات الموسمية التي ترافق شهر رمضان المبارك. يهدف هذا التقرير التحليلي إلى تفكيك المعطيات الإحصائية الصادمة المتعلقة بهدر الطعام، وتحويلها من مجرد أرقام كمّية إلى مؤشرات سوسيولوجية ونفسية تعكس أزمة عميقة في فلسفة الاستهلاك ومنظومة القيم. ونسعى من خلال هذه الورقة إلى تشخيص الفجوة القائمة بين المقاصد التربوية لشهر الصيام التي جاء بها الإسلام والممارسات الاستهلاكية اليومية، مع إبراز التوجيهات الربانية والنبوية التي تعالج هذا الخلل، وتسليط الضوء على التأثيرات الخفية للإشهار وضغوط المقارنة الاجتماعية، وصولاً إلى تقديم مقاربة شاملة تقترح حلولاً عملية وتوعوية للحد من هذه الظاهرة.
د.لطفي البكوش
-
استكمالا لما سبق طرحه من صيغ الأوامر والنّواهي الإلهيّة: (الاجتناب، والتّحريم، والنّهي عن القرب، والأمر، والنّهي)، شرعنا في الحلقة السّابقة (العدد 224) في تناول الكبائر المترتّبة على ترك الفرائض الّتي ورد ذكرها بصيغة: «كُتِبَ عليكم». وتُعدّ هذه الصّيغة آخر صيغ الأوامر والنّواهي الإلهيّة الّتي نبحثها ونبيّن أحكامها. وقد وردت حصرا في الآيات المدنيّة دون المكيّة، وتحديدا في الثّلث الأخير من سورة البقرة في مطلع الهجرة (1 - 2 هـ)، وتشمل: الوصيّة، والصّيام، والقصاص في القتلى، والقتال في سبيل الله. وبعد أن تطرّقنا في الحلقة الماضيّة إلى الوصيّة، نخصّص هذه الحلقة للحديث عن «الصّيام»، على أن نتناول «القصاص» في الحلقة الّتي تليها، لنختتم السّلسلة -بمشيئة الله- بتناول مسألة «القتال في سبيل الله».
م.لسعد سليم
-
على امتداد التّجربة البشريّة، وقف الإنسان حائراً أمام لغز الوجود، متسائلاً عن الغاية القصوى من حضوره في هذا العالم. إِذ لم يُلقَ الإنسان في ساحة الحياة ليقضي أيّامه كحالة بيولوجيّة عابرة، بل ليخوض تجربة وعي فريدة ومستمرّة. وفي خضمّ هذا البحث الدّؤوب، تبرز ثنائيّة «المبنى» و«المعنى» كأحد أعمق المداخل الفلسفيّة لفهم الذّات الإنسانيّة وتوجيه مسارها. إِنّها رحلة الانتقال من القوالب المادّيّة الّتي تحبس الرّوح، إِلَى الجوهر الرّوحيّ والأخلاقيّ الّذي يمنح أفعالَنا قيمتَها الحقيقيّة. فكيف نعبر الجسر الفاصل من مجرّد «الإقامة» في مبنى الوجود إِلَى «استحقاق» معنى الوجود؟
شكري سلطاني
-
تداولت بعض القنوات الإعلاميّة ومجموعة من مواقع التّواصل الاجتماعي أخباراً حصريّة مفادها: «قرّرت إحدى الدول الخليجيّة قطع العلاقات مع الولايات المتّحدة، وأعلنت قرارات صارمة في حقّ كلّ من يعبث باستقرار منطقة الشّرق الأوسط، وعلى إسرائيل أن تتحمّل مسؤوليّة الحرب التي بدأتها ولن تستطيع إيقافها أو التّحكّم في مآلاتها، وعلى جميع منتسبي القواعد العسكريّة والتّقنيّة مغادرة المنطقة فوراً».
الخامس غفير
-
يظلّ اللّسان ذلك العضو الهلاميّ المتناقض، يحمل في طيّاته ثنائيّة البناء والهدم، النّجاة والهلاك. في منظور الإسلام، لا يُنظر إِلَى الكلم بوصفه مجرّد أصوات متعالية (ثرثرة) في الهواء، بل بوصفه كينونة وجوديّة تحمل ثقل التّكليف ومسؤوليّة المعنى. ولعلّ المتأمّل في النّصّ القرآنيّ والحديث النّبويّ يدرك عمق هذه الإشكاليّة، حينما تجتمع العبادات التّوقيفيّة الكبرى - كالحجّ والصّيام - على قضيّة واحدة هي تنقية اللّسان وضبط آليّات الحوار والجدال.
د. عبد الفتاح أبوماضي
-
التّفسير لغة هو الكشف والإيضاح، وفي الاصطلاح هو علم نزول الآي وأقاصيصها والإشارات النّازلة فيها وترتيب مكّيّها ومدنيّها ومحكمها ومتشابهها وناسخها ومنسوخها وخاصّها وعامّها ومطلقها ومقيّدها ومجملها ومفصّلها. وهناك تعريف آخر مفاده أَنّ التّفسير علم يُبحث فيه عن كيفيّة النّطق بألفاظ القرآن ومدلولاتها وأفكارها. أَمّا التّأويل لغة فهو من الأوّل كما قال الزّركشيّ، أَي إِلَى ما تكون العاقبة. واصطلاحا هو نقل ظاهر اللّفظ عن موضعه الأصليّ إِلَى ما يحتاج إِلَى دليل لولاه ما ترك ظاهر اللّفظ. ويلجأ إِلَى التّأويل خاصّة لتوضيح أوصاف ومعان لا تُقبل على ظاهرها: قال الله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ (الملك: 1) نتأوّل اليد بالقوّة أَو العطاء. وقال صاحب البرهان قد يكون اللّفظ محتملا لمعنيين وهو في أحدهما أظهر فيسمّى الرّاجح ظاهرا والمرجوح مؤوّلا، قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَمَا كُنْتُمْ﴾ (الحديد: 1) ويستحيل حمل المعيّة على القرب، فتحمل إِمّا على الحفظ والرّعاية أَو القدرة والعلم. وقال العلماء الأصل عدم التّأويل، يبقى العامّ على عمومه حتّى يرد ما يخصّصه، والأمر بالوجوب حتّى يرد ما يصرفه عن الوجوب، قال الله تعالى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ (الأحقاف: 25)، تأوّلناها فخرج العموم عن عمومه بدليل قوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ (الأحقاف: 25). أَمّا قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ (البقرة:187) فظاهره الأمر وتأويله الإباحة. فكيف تعاملت الفرق والمذاهب الإسلاميّة مع التّأويل؟
د.علي رابحي
-
يقود عدد مِن قادة الفكر والسّياسة، وبعض علماء الدّين فِي العالم العربيّ والإسلاميّ، الشّعوبَ إِلَى انقسام واختلاف حول الموقف مِن الحرب الدّائرة بين إسرائيل وأمريكا مِن جهة، وإيران مِن جهة أُخرى. الطّرف الأوّل يرى أَنّ إيران دولة مسلمة تُحسب على الأُمّة الإسلاميّة؛ فرغم انتماء معظم شعبها إِلَى المذهب الشّيعيّ واختلافها مع أهل السّنّة فِي عدد مِن الثّوابت، إِلّا أَنّها تلتقي معهم فِي القواسم الكبرى الّتي تجمع المسلمين كافّة. كما يرى هذا الطّرف أيضاً، أَنّ لليهود عداوة دينيّة متجذّرة للإسلام منذ نشأة دولته فِي المدينة المنوّرة؛ إِذ استمرّ حقدهم ومكرهم فترة طويلة مِن الزّمن، ثمّ عاد وتجدّد منذ أكثر مِن قرن حين زرعتهم بريطانيا فِي أرض فلسطين. فعاثوا قتلاً للمسلمين، وسفكاً لدمائهم، واغتصاباً لأراضيهم، ونهباً لثرواتهم؛ ولم يقتصر ذلك على فلسطين، بل امتدّ أذاهم إِلَى العديد مِن الدّول. وأطماعهم التّوسّعيّة الّتي تستهدف منطقتنا العربيّة بأسرها يعلمها القاصي والدّاني، وهم لا يقفون وحدهم فِي ذلك؛ بل تدعمهم وتساندهم على طول الخطّ -عسكريّاً واقتصاديّاً وسياسيّاً- الولايات المتّحدة الأمريكيّة وكثير مِن دول الغرب.
أشرف شعبان أبو أحمد
-
الموت حالة من حالات الوجود للكائنات، كامنة في الوجود البشريّ، مثلها مثل حالة الحياة الّتي تنتهي بحدوث الموت. وهو عند البعض مفارقة وانتقال من الحياة الدّنيا إِلَى حياة أُخرى، وفناء وعدم عند آخرين. وهناك مَن يراه إمكانيّة وفرصة للدّفع نحو الإبداع والالتزام. والموت ليس موجوداً فقط، بل هو موجود بكثافة وحاضر في ذهن البشريّة حتّى قبل أَن تعي وجودها. لقد شغل الموت تفكير الإنسان في كلّ الأزمنة، وأذهل خفاؤه العقول، فزاد وجودَه توكيداً حتّى أصبح توأم الحياة وملازماً لها، حاضراً ومتخفّياً بألوان الفجع والخوف الّتي ظلّت مهما تنوّعت ظلالَ ظلامٍ مبهم.
م.رفيق الشاهد
-
يُعَدّ أبو عبد الله محمّد البتّانيّ (858 ــ 929م) واحداً مِن أهمّ علماء الفلك العرب، كما يُعتبر مِن أقوى وأشهر العلماء الّذين أسهموا فِي تطوّر علم الفلك. وهو فلكيّ عاش فِي مدينة الرّقّة، وكان أصله مِن مدينة حرّان، واشتهر بكتابه «الزّيج».
بدأ الرّصد وهو لا يزال شابّاً يافعاً لم يتمّ الثّلاثين مِن عمره، وانتهى منه لمّا جاوز السّتّين بعد أَن ضعفت حواسّه؛ فالرّصد مِن أبرز مقوّماته الاعتماد على قوّة الإبصار. وقد امتدّ به العمر حتّى بلغ السّبعين.
عبدالقادر رالة
-
جمال الدّين الأفغانيّ، مفكّر إسلاميّ وناشط سياسيّ، من مؤسّسي حركة الحداثة الإسلاميّة وأحد دُعاة الوحدة الإسلاميّة في القرن التّاسع عشر. يُعَدُّ الأفغانيّ في ذاته ظاهرةً فكريّةً وسياسيّةً استثنائيّةً في تاريخ العالم الإسلاميّ الحديث، أخذت على عاتقها إيقاظ الأمم من سباتها العميق، وتحرير الإرادة العربيّة والإسلاميّة من قبضة الاستعمار الغربيّ والاستبداد الدّاخليّ. وهو الأب الرّوحيّ لمدرسة الإصلاح والتّجديد، الّتي صنعت عقولاً وأخرجت جيلاً من الرّوّاد، في مقدّمتهم الإمام محمّد عبده.
م.فيصل العش
-
... نزفتُ يوم اقتحمتُ خَوْضَه ،
و على طريقة « الاختراق السٍّيبْراني»
اكتسحتُ حصونه
و سَبَرتُ غَوْرَه ..
فكتبتُ عنه ، خافضا عقيرتي ،
غير متجانف لغة التّمرّد علّني
أحتويه حين أعيه ..
الشاذلي دمق